وهبة الزحيلي
10
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أسفل منهم ، فزهقت أرواحهم وجمدت أجسامهم « 1 » . فمن الخاسر إذن ؟ الحقيقة أن الذين كذبوا شعيبا هم الخاسرون على سبيل الحصر ، وهم المخصوصون بأن أهلكوا واستؤصلوا ، كأن لم يقيموا في دارهم ، وهو رد على قولهم السابق : لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ والمراد من هذا الرد : المبالغة في الذم والتوبيخ ، وأما الإعادة فهي لتعظيم الأمر وتفخيمه وتهويل ما يستحقون من الجزاء على جهلهم ، لذا كرر قوله : الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً . الحق أن الكافرين هم الذين خسروا خسرانا عظيما في الدنيا والآخرة ، دون المؤمنين ؛ لأن الذين اتبعوا شعيبا قد أنجاهم اللّه ، فهم الرابحون . كما قال تعالى : وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ، وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ، فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ [ هود 11 / 94 ] . وفي هذا دلالة واضحة على أن العاقبة للمتقين ، والربح الحقيقي لمن يأكل الحلال ، ويترفع عن الحرام ، وأن الدمار والهلاك والإفلاس للكافرين الذين ينغمسون في الحرام ، ويأكلون أموال الناس بالباطل . وأما شعيب فقد أدبر عنهم وتولى عنهم بعد ما أصابهم من العذاب والنقمة والنكال ، وقال موبخا لهم ومقرعا : يا قَوْمِ ، لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي ، وَنَصَحْتُ لَكُمْ أي قد أديت إليكم ما أرسلت به ، فلا آسف عليكم ، وقد كفرتم بما جئتكم به ، كما قال : فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ ؟ ! أي فكيف أحزن على قوم أنكروا وحدانية اللّه ، وكذبوا رسوله ، ولقد أعذر من أنذر . قال الكلبي : خرج من بين أظهرهم ، ولم يعذب قوم نبي حتى أخرج من بينهم .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير : 2 / 232 .